عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
328
اللباب في علوم الكتاب
الفعل إلى الفاعل ولو كان ذلك دافعا بتخليق اللّه لاستحال كونه فعلا ( للعبد ) « 1 » . الثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخا لهم على عبادة الأصنام ؛ لأنه تعالى لما ذكر هذه الآية بين أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام ، والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق ، فلما تركوا عبادته - سبحانه وتعالى - وهو خالقهم وعبدوا الأصنام لا جرم أنه سبحانه وبّخهم على هذا الخطأ العظيم فقال : « أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » ولو لم يكونوا فاعلين لأعمالهم لما جاز توبيخهم عليها سلمنا أن هذه الآية ليست حجة عليكم ولكن لا نسلم أنها حجة لكم فقولكم : لفظ ما مع ما بعدها في تقدير المصدر قلنا : ممنوع لأن سيبويه والأخفش اختلفا هل يجوز أن يقال : أعجبني ما قمت أي قيامك ، فجوزه سيبويه « 2 » ومنعه الأخفش ، وزعم أن هذا لا يجوز إلا في الفعل المتعدي وذلك يدل على أن ما مع ما بعده في تقدير المفعول « 3 » عند الأخفش سلّمنا أن ذلك قد يكون بمعنى المصدر لكنه أيضا قد يكون بمعنى المفعول . ويدل عليه وجوه « 4 » : الأول : قوله : « أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ » والمراد بقوله : « ما تَنْحِتُونَ » المنحوت لا النحت لأنهم ما عبدوا النحت فوجب أن يكون المراد بقوله : « وَما تَعْمَلُونَ » المعمول لا العمل حتى يكون كلّ واحد من هذين اللفظين على وفق الآخر . الثاني : أنه تعالى قال : فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [ الأعراف : 117 ] وليس المراد أنها تلقف نفس الإفك بل أراد العصيّ والحبال التي هي متعلقات ذلك الإفك فكذا ههنا . الثالث : إن العرب تسمي محلّ العمل عملا ، يقال في الباب والخاتم : هذا عمل فلان والمراد محل عمله فثبت بهذه الوجوه أن لفظ ( ما ) « 5 » مع ما بعده كما يجيء بمعنى المصدر قد يجيء أيضا بمعنى المفعول فكان حمله ههنا على المفعول أولى ؛ لأن المقصود في الآية تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام لا بيان أنهم لا يوجدون أفعال أنفسهم
--> ( 1 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 2 ) قال في الكتاب 1 / 367 : « ومثل ذلك أيضا من الكلام فيما حدثنا أبو الخطاب : ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضرّ ، فما مع الفعل بمنزلة اسم نحو النقصان ، والضر كما بعد إلا في ذا الموضع » وقال في 1 / 410 : « ومن ذلك قولهم : ائتني بعد ما تفرغ مما وتفرغ بمنزلة الفراغ وتفرغ صلة » . وقال في ص 377 وتقول : أتاني القوم ما عدا زيدا ، وأتوني ما خلا زيدا ، فما هنا اسم . ( 3 ) يقول أبو العباس المبرد في المقتضب 3 / 200 : « فأما اختلاف الأخفش وسيبويه في ( ما ) إذا كانت والفعل مصدرا فإن سيبويه كان يقول : أعجبني ما صنعت فهو بمنزلة قولك : أعجبني أن قمت . . . والأخفش يقول : أعجبني ما صنعت أي ما صنعته كما تقول : أعجبني الذي صنعته ولا يجيز : أعجبني ما قمت لأنه لا يتعدى ، وقد خلط أي الأخفش فأجاز مثله ، والقياس والصواب رأي سيبويه » انظر : المقتضب 3 / 200 . ( 4 ) فجيء ما بمعنى المفعول مع ما بعده رأي الإمام الفخر الرازي في تفسيره 26 / 150 . وانظر مقولته تلك في نفس المرجع . ( 5 ) سقط من ب .